فخر الدين الرازي
99
القضاء والقدر
التصورين . إن حضرا ، كانا موجبين لذلك التصديق - والإنسان لا قدرة له في تحصيل ذينك التصورين - وعند حضورهما فلا قدرة له في استلزامهما لذلك التصديق . بل إن حضرا لكان عند حضور ذلك التصديق واجبا . وإن لم يحضر إلا واحدا منهما ، كان حضور ذلك التصديق ممتنعا . فثبت : أن الإنسان لا قدرة له البتة على التصديقات البديهية . وأما التصديقات النظرية . فلا قدرة له أيضا على شيء منها . لأن تلك البديهيات ، إن كانت مستجمعة للأمور المعتبرة في استلزام تلك النظريات ، كان حصول تلك النظريات عقيب تلك البديهيات واجبا . فلم يكن للإنسان قدرة عليها . وإن لم تكن مستجمعة للأمور المعتبرة في ذلك الاستلزام ، امتنع كونها مستلزمة لتلك النظريات . والممتنع لا قدرة عليه . وتمام تقرير هذا الكلام هو الذي سبق ذكره في البرهان الأول . إلا أن هذا الوجه في الحقيقة غير مختص بالتصديقات النظرية ، بل هو عام في كيفية المكتسبات . علم من علم يتقدمه ، سواء كان ذلك العلم ، علما تصوريا أو تصديقيا . والوجه الثاني في بيان أن شيئا من التصديقات غير مكتسب : هو أن نقول : لا شك أن تلك التصديقات الكسبية ، لا يمكن إيقاعها إلا في تصورات حاضرة في الذهن . فنقول : عند حضور تلك التصورات ، إما أن يكون ذلك التصديق ضروريا ، أو لازما ، أو لا يكون كذلك . فإن كان حصول ذلك التصديق عند حضور تلك التصورات لازما أو ضروريا ، لم يكن للعبد قدرة عليه ، ولا اختيار له فيه . لأن تلك التصورات لا قدرة للعبد عليها البتة . وعند حضورها تكون مستلزمة لذلك التصديق استلزاما لا قدرة للعبد عليه . فعلى هذا التقدير ، امتنع أن يكون ذلك التصديق واقعا بكسب العبد وباختياره . وأما إن كان حصول التصديق عند حصول تلك التصورات غير ضروري ولا لازم ، فحينئذ لم يكن ذلك التصديق علما ولا يقينا ، بل هو اعتقاد تقليدي ، أتى به الإنسان من غير موجب . وهو أيضا محال . ومتى حاول الإنسان تشكيك نفسه فيه ، أمكن ذلك وقبل هذا لا يكون علما ولا يقينا . فثبت بما ذكرنا : أن العلوم إما تصورات وإما تصديقات . وثبت : أن كل واحد منهما خارج عن قدرة العبد وعن وسعه . فثبت : أن المعارف والعلوم خارجة عن قدرة البشر ، وأن حصولها ليس إلا بخلق اللّه سبحانه « 1 » . البرهان الثالث على أن العبد لا يقدر على خلق العلوم هو : أن العبد إذا حاول إحداث العلم ، إما ابتداء وإما بواسطة شيء آخر . فإما أن يحاول إحداث مطلق العلم ، وإما أن يحاول إحداث العلم بكذا على التعيين . فإن حاول
--> ( 1 ) قال الرازي في « التفسير الكبير » : احتج أصحابنا بقوله تعالى ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) على أن المعارف مخلوقة للّه تعالى . وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة » ( 2 / 209 ) .